Ghada Al Samman about “Mish Muhem”

جيل جديد يكتب جرحه على طريقته
عفيفة حلبي: “جميع الحقوق محفوظة للبومة”!؛كتاب بلا عنوان وبلا اسم المؤلف!!
؛كتاب عجيب غريب وصلني كهدية من كاتبة شابة، لا عنوان للكتاب وبالاحرى عنوانه ببساطة: “مش مهم”، أي غير مهم! مع عبارة على الغلاف بالعامية اللبنانية تقول: لأنه ما كل كتاب يقرأ من عنوانه: اسم الكتاب غير مهم! انه “نصوص بالعربي الفصيح وبالعربي المريح اي العامية” كما جاء على غلاف الكتاب. وقد لفتني كثيراً… اللاعنوان، كما “اللاسم” اي غياب اسم المؤلفة عن الغلاف ولعلي للمرة الأولى اطالع كتاباً لا يحمل على الغلاف اسم المؤلف، على النقيض من كتاب اشتريته اليوم هو “جناح امبراطوري” للكاتب الاميركي برت ايستون ايليليس والصادر في ترجمة فرنسية عن “دار لافون”، ويحتل اسم المؤلف نصف الغلاف دونما مبالغة، اما اسم الكتاب فبحرف صغير يكاد لا يرى. على العكس من كتاب “مش مهم” العصري فعلى الغلاف نجد اسم المؤلف: “اسامينا” وليس عفيفة حلبي صاحبة الكتاب، كأنها تريد ان يذوب اسمها في مصهر اسماء الاخرين الذين تحبهم وذكرتهم في صفحاتها الأولى.. ولعلها اول مؤلفة عربية لا تدون اسمها على الغلاف بحروف كبيرة على العكس من اجيال سبقتها تحرص على ان يكون اسمها على الغلاف كبيراً جداً دلالة على نجاح المؤلف وكبر قيمته!! والقارىء يكتشف ان مؤلفة “مش مهم” تدعى عفيفة حلبي في الصفحة الثانية وبحرف صغير. ولكن عفيفة لم تكتف بكتابة النصوص بل قامت بتصميم الكتاب فنياً على نحو جميل عصري والطباعة “مطبعة القارح”.. على ورق صقيل – ٢٥٠ صفحة- بيروت.؛بحقد آلاف السنين من القهر احبك
الصور الفوتوغرافية التي التقطتها عفيفة وعلقت عليها، هي جزء من الكتاب كما سطورها بالابيض على صفحة سوداء كقولها: بحقد الاف السنين من القهر والظلم احبك. طالعت الغلاف، انتقلت الى الصفحة الاخيرة وفوجئت بعبارة: جميع الحقوق محفوظة للبومة، مع صورة هائلة لبومة وهنا انفجرت ضاحكة في المترو وضحك معي من حولي، كما طالعت بسعادة في ص ٢٤٤ قولاً لعفيفة متداخلاً مع رسمها لبومة بعنوان “تحية” جاء فيها: “لاني ضد التشاؤم، وضد مقولة الحق البوم بدلك على الخراب، وفلانة وجهها نحس او فلانة مثل البومة، وضد وصف النق “بالتبويم” وضد الخرافات وضد جملة “ما بعرف هيك بقولوا” وضد تحميل الغير مسؤولية ويلاتنا، وضد نظرية الوراثة بالتفكير وبدون مناقشة وتحليل وضد الاحكام المسبقة بشكل عام، تحية لطائر البوم باعتباره اكثر مخلوق ظلم في تاريخ الشرق… ذلك ما سطرته عفيفة حلبي في كتابها الاول هذا، واترك للقارىء ان يتخيل مدى سعادتي بقراءة سطورها لانني سفيرة البوم اللطيف الى كوكب البشر غير اللطيف.؛

الحرب عدوة الحرف
في كتابها تقول عفيفة حلبي: كنت ابحث عن كتاب لم اقرأه بعد لغادة. قصدت صديقي عصام عياد بائع الكتب الشهير في شارع الحمراء (بيروت) شخص لا يسعك الا ان تقع في “صداقته” لما عليه من ثقافة ورقي وصدق في التعامل.وهكذا ارشدها عصام عياد الى رف خصصه – مشكوراً – لكتبي فوجدت فيه كتابي “مواطنة متلبسة بالقراءة” في نسخة مهترئة مصابة برصاصة. هذا الكتاب الجريح الذي ما زال ينزف – مثلي – منذ ربع قرن اشترته ولم تفسر لعصام عياد لماذا تريد هذا الكتاب (المصاب). ولم تقل له انها لم تكن صدفة ان تخترق الرصاصة ثلث صفحات الكتاب لتصل الى مقال يحمل عنوان: قصة حب بلا حب. ومن طرفي آمل الا يصدق هذا العنوان على الكثيرين ممن يزعمون حب لبنان.وعلقت عفيفة على ذلك في كتابها الى جانب صورة نشرتها للكتاب الجريح برصاصة بقولها: في الحرب، الحرف هو العدو الاكبر. في الحرب، الكلمة هي هاجس الرصاصة الاكبر. تعجز الرصاصة عن مواجهة الكلمة، فتحاول اغتيالها غدراً ومن الخلف… في الحرب، لا حب فالرصاصة التي اصابت الكتاب لم تكن شظية حب.

ولعفيفة اسلوب عصري جديد لا يقطع الصلة بما مضى، بوفاء جميل تدون “بصماتن” اي بصمات ما تقدم من ذاكرة سطور تتبناها وشرايين دعمت حرفها امثال فيروز وزياد الرحباني وغسان كنفاني وقوله “لك شيء في هذا العالم… فقم”، وانسي الحاج وقوله: انه لا ينام حتى يظل مسيطراً على احلامه، ومحمود درويش ولانا عودة؛

رغيف حنان من لبنان واهداء لرنى سنداحة
الغلاف الاخير من الكتاب الجميل المؤثر لعفيفة حلبي “مش مهم” يلقي ضوءا على مضمونه الجارح الضاحك بدموع اذ يقول: “نصوص على هامش الغربة وعلى هامش العودة” مؤكدة انها لا تهدف الى كتاب “ادب” بل مجرد كتاب يتضمن اسلوباً للتعبير عن مرارة وغضب، حزن او فرح، انتقادات او سخرية…. ولكن الغلاف الأخير نسي ان يذكر الشاعرية الجمالية المكهربة فيه واكثرها في مغازلة الوطن لبنان كقولها حين اغتربت لضرورات العمل:

ان تحن لرائحة ارضك بعد زخة المطر الاولى
ان تشتاق لحرارة… لهفة اصدقاء يفرحون لمجرد وجودك بينهم
ان تنتظر احداً ليسألك “كيفك” حتى تبدأ بالبكاء…

وقولها ايضاً: يسألني الاصدقاء الذاهبون الى بيروت: “بدك شي من بيروت”؟ وتجيبهم “كمن ضبط بالجرم المشهود”: توصلوا بالسلامة، سلموا على البلد… ولكنها تضيف: نعم. اشعر بالبرد في بلد تصل فيه درجات الحرارة الى الخمسين.

وتتساءل بجمالية شعرية: هل تلحظ الشوارع غيابنا عنها؟… هل تشعر بنقصان اقدام كانت تسير فيها؟ هل للشوارع ذاكرة ام ان لذاكرتنا فقط شوارع؟

“مش مهم” كتاب فيه محاور عديدة منها النقد الاجتماعي الساخر والدعم الوطني (وانسوية) عادلة غير متسلطة لها صلة بانسانيتها فهي تريد للبنت الطفلة هدية توقظ العقل والتحدي وليس دمية امرأة تتفنن في طريقة تجميلها. كتاب يكره لعبة (نجمات المجتمع) ويحترم امهات الشهداء وشهيدات الحياة. كتاب كله زخم وحب. حب لفلسطين في نصوص عديدة بينها نص اهدته لابنة القدس رنى ميشال سنداحة. وفيه حب للآخر المختلف اذ لا تطلب منه الا الاحترام والحوار…؛

٩-٩-٢٠١٠

1 Response to Ghada Al Samman about “Mish Muhem”

  1. Wow wow wooow !!! Effo ??? What great words !! I imagine how you felt when u read these lines!!!!
    Bravo hbb …. you deserve more and more ….

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s